“ليبانون ديبايت” – محمد المدني

حالةٌ من الإحباط والضياع تسود أجواء الطائفة السنّية في لبنان، وكأن زمن الطائفة توقف عند تاريخ 26/1/2022 عندما أعلن الزعيم الأكبر سعد الحريري، تعليق عمله السياسي إلى أجلٍ غير معلوم، ليلتحق به زملاؤه في نادي رؤساء الحكومة السابقين، نجيب ميقاتي تمام سلام وفؤاد السنيورة، ما ولّد شعورًا بالخوف والقلق في نفوس اللبنانيين السنّة في مختلف المناطق اللبنانية، وبات مصيرهم مجهولاً كما يرونه هم.

تعاني الطائفة السنّية اليوم من ضياعٍ واضح، أسبابه معروفة، فالطائفة اليوم باتت مكشوفة، لا قيادة لها ولا غطاء، إضافة إلى تقلّص الدور الخليجي على الساحتين اللبنانية والسنية، والخوف كلّ الخوف من توجّه الشريحة الأكبر من الطائفة إلى مقاطعة الإنتخابات النيابية التي ستجري في 15 أيار القادم، خصوصاً أن الصالونات المُغلقة تشهد دعوةً واضحةً لحثّ السنّة على مقاطعة الإستحقاق الإنتخابي التزاماً بقرار الرئيس الحريري.

بطريقةٍ أو بأخرى، يدعو تيّار “المستقبل” محازبيه ومناصريه ومن يمون عليهم إلى مقاطعة الإنتخابات وعدم الخوض بها، وتشهد أروقة “المستقبل” تبنّياً واضحاً لفكرة المقاطعة، وهذا ما نجده على لسان “المستقبليين” الذين لا يتوقفون عن ضرب كلّ من يريد المشاركة ترشّحاً أو تصويتاً، لكن هذا الأمر ليس بغريبٍ على تيّارٍ، احتكر الزعامة السنّية لسنوات طويلة، وبات الآمر الناهي في الأمور التي تتعلّق بشؤونها وأحوالها ومن يمثّلها في مجلسي الوزراء والنواب والإدارات العامة.

ليس سهلًا على الرئيس سعد الحريري، وقيادة “المستقبل” مشاهدة الأطراف الأخرى وهي تتناتش القاعدة الشعبية للتيّار بشتّى الطرق والوسائل، وليس سهلاً على الحريري والذين يدورون في فلكه، التضحية بـ”العرش السنّي” لصالح أي شخصية أخرى، علماً أن ولادة زعيمٍ جديد بحجم الحريري يحتاج لسنوات طويلة، ولا يمكن حدوثه بين ليلة وضحاها. لكن أيضاً ليس من المنطق أن يقاطع السنّة الإنتخابات النيابية حرصاً على زعامة الحريري أو تقيداً بقراره، فمن المعروف أن “أحداً ليس أكبر من بلده”.

الأمر اللافتُ في الساحة الإنتخابية، أن ما تعلنه قيادة التيّار الأزرق في العلن، لا يعكس حقيقة ما يجري في الكواليس الضيّقة، ليس في دائرة بيروت الثانية فقط (معقل تيّار المستقبل)، بل في الأولى أيضاً، وفي طرابلس وعكار وصيدا والبقاع، وتكشف المعلومات أن أمين عام التيّار أحمد الحريري يشارك في البازار الإنتخابي من بوابة تزكية أسماء ورفض أخرى، وقد ساهم الحريري بتطيير إحدى الشخصيات الشمالية البارزة واستبدالها بأخرى مقرّبة منه. وتقول مصادر التيّار إن الشيخ أحمد، هو أبرز المتمرّدين على قرار الرئيس الحريري، وهذا الدور يلعبه أيضًا رئيس جمعية بيروت للتنمية أحمد الهاشمية، ولو بدرجة أقلّ من أحمد الحريري، الذي يجيد اللعبة السياسية. لكن الهاشمية لم ينجح في فرض نفسه راعياً لإحدى اللوائح، أو مزكّياً لإحدى الشخصيات.

من ناحيةٍ أخرى، يقول أحد رؤساء اللوائح الإنتخابية البارزة، إن تيّار “المستقبل” يتحمّل جزءاً كبيراً من المسؤولية في تدهور أوضاع البلاد والعباد، وفي ضياع الطائفة وإحباطها وتقلّص دورها، فهو لم يترك حفرةً إلاّ وسقط بها، فلا ينتظر أحد أن يقاطع السنّة الإنتخابات كرمى لعيون “زعامة” أو حزب معين.

ويضيف أنه في العام 2018، كان هناك ما يقارب الـ مليون ناخباً سنّياً، اقترع منهم 260 لصالح تيّار “المستقبل” و210 لصالح خصوم التيّار، أي أن عدد الناخبين السنة بلغ 470 ألفاً، بمعنى أن نسبة الإقتراع لم تصل إلى 50٪؜ في الدورة السابقة، لذلك يراهن “المستقبل” على هذه المعادلة في الإنتخابات القادمة، لأنه “في حال نجح في فرض نظرية المقاطعة، سيقترع ما يقارب 250 ألف سنّي من أصل مليون، وحينها يقول التيّار أن الـ 800 ألف الذين لم يقترعوا، هم مقاطعون تلبيةً لقرار قيادة التيار، وهذا الأمر غير صحيح إطلاقًا”.

ولفت إلى أن “المستقبل”، اتّهم من ليسوا معه، بالتحالف مع سوريا و”حزب الله”، وهو ليس سرّاً، ولكن التيّار نفسه، هو من كان ينسج التسويات والإتفاقات والمحاصصات مع القوى الأخرى في 8 آذار، لذلك يصحّ القول إن “الصيت إلنا والفعل لغيرنا”.

في المحصّلة، لا شكّ أن الطائفة السنية بعد الحريري لن تكون كما قبله، فالطائفة كانت المُمسكة بالحكم في فترة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، أمّا مع سعد، فكانت بمثابة الطائفة التي لا يُمكن تجاوز قرارها، أمّا بدون الحريري، فسيكون وضعها قائماً ميثاقياً في الحكم، ولكن حتمًا ستفتقد إلى الرأس المقرّر.